قصة قصيرة بعنوان / رقص / بقلم عبد السلام الشّبلي

قصة قصيرة بعنوان / رقص / بقلم عبد السلام الشّبلي

قصة قصيرة بعنوان رقص .. 
كانت تتعمد فتح ستائر غرفتها يوميًا ، تطلب الشمس و أشعة عينيه اللتين تراقبانها بصمت ، تحب صمته ، تعتقد أن الكلام لا ينفع مع جسدها الذي يتمايل كل يوم على إيقاعات الضوء الداخل من نافذتها الصغيرة ، تحب الموسيقى و عينيه .. تحب أن تناورهما كل صباح قبل أن تأتيَ لحظة الفراق اليومية التي لابد منها. ما الفراق ! تجيب نفسها كل يومٍ عن هذا السؤال المستحيل ، تعرّف الفراق على أنه حالة تتجمد فيها أطرافها حتى تصبح غير قادرة على الرقص أمامه. هي لا تفارقه إذًا ، لكنها تتركه ليتحرق شوقًا لها ، ثم تعود لتطفئه بلهيبها الذي اعتاده ، تحاول دومًا أن ترد على لهيب نظراته بلهيب جسدها ، ناران لا تحرقان بعضهما ، و لا تنطفئان ، أعجبتها هذه المعادلة المتقدة و استقرت على أن تلغزها كل يوم برقصة جديدة لترى أي اللهيبين أقوى ، عيناه أم جسدها . اليوم تكمل الأربعين عامًا ! ترقص منذ عشرين عامًا تقريبًا ، لا تغير نافذتها ، تعتقد أن هذا المكان هو بوابتها للعالم الذي صارت تراه من عينيه ، يخفق قلبها مع كل رقصة ، تخترع كل يوم طريقةً جديدة في الرقص ، تلجأ أحيانًا دون أن تخبره إلى مواقع عالمية للرقص ، تقرأ عن الفنون الجديدة ، و تشاهد آخر العروض مُحاوِلةً تقليدها . لا تتوقف عن الابتكار و التقليد و الإضافة إلى رقصاتها ، تتعب من ذلك ، العمر ينهك جسدها لكنها تناضل من أجل عينيه ، ألم يقولوا أن الحب نضال ؟، هكذا هي تحبه و على استعدادٍ كي تفنى لأجله. تعلمت اليوم رقصة على أطراف الأصابع ، استغرقت عدة ساعات لتستطيع أن تتوازن على أصابع قدميها الرقيقة التي بدأت تهترئ بهشاشة عظام فاجأتها قبل عام. قاومت هشاشتها ، و تدربت كي تسعد قلبه و عينيه ، انطلقت بعد ساعات من تعلمها إلى نافذتها و عينيه ، انتظرت زقزقات العصافير الأولى ، خرجت إلى الصباح بكل أنوثتها ، تغمز الشمس وتهمس له بجسدها الذي بدأ يتقلب على نغمات موسيقى داخلها لا يسمعها إلا قلبه و قلبها وقلب الشمس التي تستمد نورها من عشقهما الغريب. ترقص و ترقص إلى أن تنهي وصلتها التي تحدد وقتها بدموعها التي تنهمر يوميًا في مثل هذا الوقت ، قبل أن تتوقف على شرفتها أخيرًا ، و تنظر هناك إلى البعيد الذي يراقبها ، حيث قبره الذي نبتت فوقه شجرةٌ تشبه في أغصانها جسدها الغض الذي رقص لآخر مرةٍ أمامه قبل رحيله عنها دون عينيه اللتين ظلتا تراقبانها يوميًا من ذلك القبر ، الذي اختارت أن تسكن على مقربةٍ منه إلى الأبد.

 

 قصة قصيرة لعبد السلام الشبلي

بقلم عبد السلام الشّبلي ، صحفي ، العمر ٢٦ عامًا

قد يعجبك ايضا أكثر من مؤلف

تعليقات

Loading...