الهجرة الكبرى وقصة هجرة أكثر من مليون سويدي بسبب الفقر إلى أميركا

الهجرة الكبرى وقصة هجرة أكثر من مليون سويدي بسبب الفقر إلى أميركا 

 

ربما لا يعلم الكثير أن السويد التي تستقبل اللاجئين الآن هاجر منها أكثر من مليون سويدي إلى أميركا بحثا عن حياة أفضل , وبسبب الفقر وبعض الدوافع الدينية وهيمنة ملاك الأراضي من النبلاء ورجال الدين . وسميت حينها ب – الهجرة الكبرى .
 
كتاب فيلهلم “المهاجرون” هو قصة ملحمية تحكي قصة هجرة السويديين إلى أمريكا الشمالية.
وفي روايته يصور موبيرغ تلك الانتقالة المفصلية في حياة المهاجرين، ويتعقب بحساسية هائلة تناوب مشاعر الأمل والحنين، والظروف التي ترغم الانسان على اختيار المنفى.
وتحدث فيها عن أكبر هجرة في حياة السويديين حتى بلغت أكثر من مليون مهاجر يمثلون ربع السكان آنذاك، كما أنها وصفت بالكارثية. وتمكن موبرغ من بيع مليوني نسخة من رباعيته، وترجمت أعماله إلى أكثر من 20 لغة عالـَـمية. وتمثل ملحمة (المهاجرون)، طبقا لتصنيف النقاد، رواية رحلة اللاعودة السويدية.
تحدث موبرغ في رواية “المهاجرون” عن الأسر الأولى التي قررت ترك الوطن والهجرة إلى أميركا منذ سنة 1850، وتتالت إلى سنة 1930. وكان لكل واحدة منها أسبابها الخاصة، وفي مقدمتها الأسباب الاقتصادية، اهتم موبرغ بتاريخ السويد في خطٍ موازٍ لاهتمامه بالأدب..
فيلهلم موبيرغ والذي يعتبر من أهم الكتاب السويديين، حاز على عدة جوائز لهذه الرواية وكان من بين الأسماء التي تم رشيحها لجائزة نوبل للآداب ونال شهرة عالمية من خلال رباعيته الروائية عن الهجرة التي قدمت في السينما عملان منها.
وأصدر جزأين من كتابه التاريخي: “تاريخ السويد كما أراه” وعاجله الموت قبل إصدار الجزء الثالث، قال عن تجربته التاريخية: “أنفقت وقتا ليس باليسير على دراسة تاريخ أجدادي وكل ما عرفته عنهم انعكس في رواياتي التاريخية الثمانية .. والآن صار معلوما لي أن تاريخ بلادي هو في الغالب تاريخ العذابات والمآسي الإنسانية”.

 

 

صعب المراس

حالت أفكار وآراء موبرغ ثم كتاباته الساخطة، دون فوزه بجائزة نوبل التي كانت استحقاقه. وتحدث هو عن نفسه قائلاً: “صعب المراس، سريع التأثر، ومتقلب المزاج”.

وعانى من حاسديه وأعدائه، خاصة من النازية التي حكمت على أعماله بالحرق . كما كتب عن حياته الخاصة وطفولته البائسة في كتابه “قصص من حياتي”. ومن أهم أعماله الروائية أيضا “حياة الإنسان على الأرض”، والتي تناول فيها سيرة مهاجر سويدي وجد نفسه وحيدا بعد 40 سنة من هجرته، وهو على شاطئ المحيط الهادي يحدث نفسه: هجرتَ البلاد التي ضمّـتكَ ورعتك طفلا ويافعا ومراهقا.. هنا عجوزٌ أنتَ، وهناك طفلٌ، صبي، ومراهقٌ .. وتحدد مصيرك .. إنسان بلا وطن!”. ولم يكن موبرغ نفسه استثناءً من موجات وحمى الهجرة، وعزم أمره على الهجرة في مطلع شبابه وهو يلاحظ أن أقاربه في أميركا أصبحوا أكثر منهم في الوطن، ولكنه عدل عنها نزولا عند رغبة أمه وجدته، ثم سافر إلى أميركا مستطلعا وليلتقي بأقاربه هناك.

وفي روايته “المهاجرون” توسع موبرغ في الحديث عن المهاجرين الأوائل من مقاطعة سمولاند الجنوبية التي ينتمي إليها..

وكانت البادئة في موجات الهجرة إلى أميركا، ومنها أسرة كارل أوسكار وزوجته كريستينا وأطفالهما الثلاثة، لأسباب اقتصادية ثم أسرة خال كريستينا وأسرته مصطحبين معهم مجموعة من المناصرين لعقيدتهم الآكية المحافظة، التي تمنع تناول الكحول.. وهي جماعة دينية متشددة، وهجرتهم كانت لأسباب دينية بعد أن منعتهم الكنيسة حتى من إقامة اجتماعاتهم الدينية البسيطة.

فالسويديون الذين عاشوا تحت سطوة طقس متقلب وغاضب خاصة في الشتاء، حيث يعم بلادهم الثلج بلونه الأبيض في كل الاتجاهات ويغير حتى لون الأشجار من الأخضر إلى الأبيض، يقابله صيف جاف أحيانا، اضطروا إلى أن يتركوا أرضهم المجدبة التي زرعوها آلاف السنين، هم وأجدادهم..

والتي نجم عنها غرقهم في الديون التي عجزوا عن سدادها مع أرباحها، فقرروا الهجرة حتى وهم لا يعرفون الكثير عن الأرض الجديدة وما إذا سيعيشون فيها برخاء وسعادة. على الرغم من أنهم في وطنهم الأم كانت حياتهم تتأرجح بين السعادة والتعاسة، إلا أن كل مَن لم يكن راضيا بقسمته في العالـَـم القديم رحل إلى العالـَـم الجديد أو فكر بذلك.

طبقات وخيارات وإشاعات

كان في السويد أناس من الطبقات الحاكمة يقومون بنشر الأكاذيب عن أميركا ويروجون أن ذلك البلد مناسب فقط للمحتالين، وأن الزنوج يُحتفظ بهم كعبيد ويباعون..

كما لو أنهم ماشية، وأن أميركا حارة بحيث لا يمكن تحملها، حتى إن الهنود والسود والوثنيين فقط هم الذين استطاعوا تحمل مناخها، بل إن الدليل على وجود هذه الأرض الجديدة يجيء من الصور والشائعات، وهي الأرض المجهولة التي لم يشاهدها أحد، ثمة وجود ذلك المحيط المجهول حائلاً.

أفواج

بينما روج آخرون أن الجميع في أميركا سواسية، وليس هناك قانون خدم أو نقود عربون ليعمل الناس كالعبيد مقابلها كما في السويد، وأن الخنزير يعيش في العالم الجديد مثل كونت في السويد. وتردد صوت وجد صداه يقول يجب أن يسافر كل الفقراء إلى أميركا.

وبدأت الرحلة الأولى المكونة من 16 روحا، تسعة راشدين وسبعة أولاد شكلوا عائلة كبيرة بشكل مناسب، بدوا بريئين، ملتفين بالفروات الصوفية الرمادية والنساء بالشالات وبعضهم شاحبو الوجوه، وحين سأل يوناس بيتر وهو يعدهم مَن سيترأس العائلة توجهت الأنظار كلها نحو كارل أوسكار، انطلقوا على 3 عربات نحو ميناء كارلسهامن، ولم يخفَ شعور ساد بينهم بأنهم يمثلون موكب جنازة صغير..

ورغم إدراكهم أن رحلتهم ستكون بلا عودة إلا أنهم تغذوا في السر بأمل العودة، قبل أن ينضم إليهم في الميناء آخرون قدموا من مناطق أخرى. في الميناء استدارت كل العيون باتجاه السفينة تشارلوتا ذات الصاريين، حدقوا بها وسط صمت وخيبة وتساؤل ثم قلق وحيرة وهم يتحدثون في سرهم: “أهذه سفينتهم حقا؟!”

وبعد انتظار عدة أيام في الميناء انطلقوا مستسلمين بلا شروط للمجهول وأصبحوا بغير رجعة، كل ما رأوه هو آخر موقع أمامي من الأرض التي رفضوها، الأرض التي لم يكن فيها حظهم طيبا، تحدثوا بأصوات خفيضة وهم يلقون نظراتهم المودعة على موطنهم، بينما وقف آخرون صامتين وهم يحدقون في الأرض اليابسة وهي تذوب في ضباب نيسان. كانت ثمة كلمات معلنة وأفكار مختبئة حول نظرتهم الأخيرة للسويد.

78 مسافراً

وتشارلوتا التي ركب فيها 78 مسافرا، وهي من أقصاها إلى أقصاها أربعين خطوة طولاً وثماني خطوات عرضاً، تحولت من سفينة تجارية فحسب إلى سفينة مهاجرين أيضا دفعت بقبطانها إلى التساؤل عن الأسباب التي تدفع هؤلاء الفلاحين إلى ركوب مخاطر البحر والاسقربوط، هم وزوجاتهم وأطفالهم وعما يمكن أن يجدوه هناك في أميركا..

ففي رأيه الخاص كل البلدان متساوية، والأرض الجافة هي الأرض الجافة في كل أنحاء العالـَـم، وتبقى تشارلوتا سفينة عرجاء ثقيلة الحركة، حجراتها السفلى محملة بحديد السكب.

مرة وإلى الأبد

المهاجرون تحدثوا في أيامهم الأولى برغبة عن السويد وقيلت كلمات مريرة وغاضبة، وفيما بعد أدركوا حقا أنهم غادروا السويد مرة وللأبد، ولم يرغبوا في إهانة وطنهم وفيه أقاربهم على الرغم من أن أحدا منهم ما عاد يملك منزلا فيه، وكأنهم فاجؤوا أنفسهم بأنهم لا يزالون يفكرون في السويد.. وطنهم.

«أيها العالم»

تكررت أيام السفر، ولم يكن يحيط بالمهاجرين سوى المياه الزرقاء الممتدة، عندما يكون البحر رائقا يجلسون حول الكوة الرئيسية يتبادلون الأحاديث ويعزفون الموسيقى..

وحين يهيج البحر يدركون كم هم قريبون من الموت الذي بات يخطف الصغار والكبار منهم، حتى بلغوا الثمانية من أصل 78 مسافرا، وصار الموتى منهم بدلا من أن يهاجروا إلى الأرض الجديدة يهاجرون إلى أعماق المحيط مما دفعهم إلى الإنشاد وهم يدفنونهم في البحر:

أيها العالـَـم الشرير، وداعاً!

إلى السماء ترحل روحي

لتصل مستقرّها الأخير..

ولم يشاهدوا، بعد شهرين، سوى سفينة واحدة ترفع العـــلم السويدي وكأنها تذكرهم بوطنهم. وفي الأسبوع العاشر لاحت بشائر الوصول وحلـّـقت فوقهم طيور النورس ثم استقبلهم شاطئ مضيء، وشعروا بالبهجة وكأن روحا طازجة نـُـفخت في صدورهم.

لتحميل رواية المهاجرون  إضغط هنا 

واضغط على المستطيل الأخضر 

 

الهجرة الكبرى

قد يعجبك ايضا أكثر من مؤلف

تعليقات

Loading...